ساسي سالم الحاج

223

نقد الخطاب الاستشراقي

والشرك ، وتهذيب النفوس وصقلها بالأخلاق الفاضلة ، وقد كانت معظم الآيات القرآنية النازلة بمكة تهتم بهذه المناحي أكثر من غيرها ، هذه المناحي المتمثلة في عقيدة التوحيد أولا وفي ترسيخ مكارم الأخلاق ثانيا . أما بالنسبة إلى التشريعات العملية فإن القرآن في هذه المرحلة جاء خلوا منها ، فهو لم ينظم كيفية قتال الأعداء ومعاملتهم بالمثل ، بل دعا إلى العفو والصفح والتغاضي والصبر على المكاره بحيث إنه لم يأذن للمسلمين بقتال أعدائهم إلّا في أواخر أيامهم بمكة . وعلى العموم فإن التشريع في هذه المرحلة كان يبتغي تأسيس الدولة الإسلامية على قواعد متينة لتكون لها المقومات الأساسية لانطلاقتها العالمية . أما المرحلة الأخرى والتي أطلق عليها مرحلة ما بعد الهجرة فقد عنيت بعلاج مشاكل المسلمين المستجدة بعد أن تبلورت الدولة الإسلامية في بداية تكوينها . وقد كان من الطبيعي أن تحتاج الدولة الفتية إلى أسس تشريعية تنظّم بها مسيرة حياتها ، وتعالج المشاكل التي تواجهها ، وتقرّر الأحكام والقواعد القانونية للقضايا التي تجد نفسها في غمارها كمسألة تنظيم الحرب والسلام ، وتنظيم العلاقة بين الإسلام والديانات السماوية الأخرى ، وتنظيم هذه العلاقات مع طائفة أخرى مع المترددين والذين أطلق عليهم « المنافقون » . فجاء القرآن منظما لهذه الأمور واضعا الأسس التشريعية لها ، وكانت هذه الآيات التشريعية قابلة للتفسير من قبل الرسول بحيث كان يوضّح غامضها ، ويبيّن مجملها ، ويؤكّد ما جاء فيها ، ويضيف إليها تشريعات جديدة مستمدة كلها من هذا المصدر الإلهي . كما فصّل التشريع المدني أحكام الزكاة التي نزلت بمكة مجملة ، فبيّنت السنّة أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة ، والأنصبة ، والمصارف التي تصرف إليها والتي حدّدها القرآن على سبيل الحصر . كما أضاف إلى هذه الالتزامات المالية صدقة الفطر ، وكفارة اليمين ، والقتل ، والجنايات في الحج ، والوفاء بالنذر المالي ، والهدايا في الحج والأضاحي . وفي مجال العلاقات الدولية جاء التشريع المدني بأحكام الحرب ، والسلام ، كتنظيم العمليات العسكرية ونهايتها ، وكيفية تقسيم الغنائم ، وطريقة معاملة الأسرى ، وكيفية إبرام المعاهدات ونقضها ، وتنظيم العلاقة بين الدولة الإسلامية الجديدة بغيرها من الدول الأخرى زمن السّلم ، وتحديد المركز القانوني لأهل الذمّة وغيرها من الأحكام التي تدخل في مجال القانون الدولي .